ابن العربي
505
أحكام القرآن
وصدق ؛ فإنّ ذلك لا يملكه أحد ؛ إذ قلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يصرّفه كيف يشاء . وكذلك الجماع قد ينشط للواحدة ما لا ينشط للأخرى ، فإذا لم يكن ذلك بقصد منه فلا حرج عليه فيه ، فإنه مما لا يستطيعه فلم يتعلق به تكليف . المسألة الثالثة - قوله تعالى : فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ . قال العلماء : أراد تعمّد الإتيان ، وذلك فيما يملكه وجعل إليه ، من حسن العشرة والقسم والنفقة ونحوه من أحكام النكاح . الآية الخامسة والخمسون - قوله تعالى « 1 » : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما ، فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا ، وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً . فيها ثلاث عشرة مسألة : المسألة الأولى - في سبب نزولها : روى أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم اختصم إليه رجلان : غنىّ وفقير ، فكان ضلعه مع الفقير ، يرى أنّ الفقير لا يظلم الغنى ، فأبى اللّه إلا أن يقوم بالقسط في الغنى والفقير . المسألة الثانية - القسط : العدل . بكسر الفاء « 2 » وإسكان العين . والقسط بفتحها : الجور . ويقال : أقسط إذا عدل ، وقسط إذا جار ، ولعله مأخوذ من : قسط البعير قسطا إذا يبست « 3 » يده ، فلعل أقسط سلب قسط ، فقد يأتي بناء أفعل للسلب . كقوله : أعجم الكتاب إذا سلب عجمته بالضبط . وقيل : نزلت في الشهادة بالحق ، وهي عامّة لكل أحد في كل شيء . المسألة الثالثة - قوله تعالى : قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ : يعنى فعّالين ، من قام ، واستعار القيام لامتثال الحقّ ؛ لأنه يفعل في مهمات الأمور ، وهي غاية الفعل لنا ، ومن أسمائه سبحانه الحىّ القيوم ، والقائم على كل نفس بما كسبت ، فضربه هاهنا مثلا لغاية القيام بالعدل .
--> ( 1 ) الآية الخامسة والثلاثون بعد المائة . ( 2 ) يريد فاء الكلمة ، وهي القاف في هذه الكلمة . ( 3 ) ارجع إلى اللسان - مادة قسط ، ففيه تفسير أوفى .